يحيي بن حمزة العلوي اليمني

179

الطراز لأسرار البلاغة وعلوم حقائق الإعجاز

ومن ذلك العهد ، الذي كتبه للأشتر النخعي لما أعطاه عمالة مصر ، وأدّبه بهذا العهد ، وجمع له فيه من محاسن الآداب وصفة الحكمة وفصل الخطاب . ومن ذلك خطبته المسماة بالغراء فإنه جمع فيها من الثناء على الله تعالى وذكره بالصفات اللائقة به وتنزيهه عما لا يليق بحاله ، ومن جيد كلامه في التخلص قوله : أرسله على حين فترة من الرسل وانقطاع من الوحي وطول هجعة من الأمم واعتزام من الفتن وانتشار من الأمور وتلظّ من الحروب ، والدنيا كاسفة النور ، ظاهرة الغرور ، على حين اصفرار من ورقها ، وإياس من ثمرها ، وإغوار من مائها ، قد درست أعلام الهدى ، وظهرت أعلام الردى ، فهي متجهمة لأهلها ، عابسة في وجه طالبها ، ثمرها الفتنة وطعامها الخيفة ، وشعارها الخوف ، ودثارها السيف ، فاعتبروا عباد الله واذكروا تيك التي آباؤكم وإخوانكم بها مرتهنون ، وعليها محاسبون ، ولعمري ما تقادمت بهم ولا بكم العهود ، ولا خلت فيما بينكم وبينهم الأحقاب والقرون . فهذا الكلام مشتمل على تخلصات متعددة ، فبينا هو يذكر حال الرسول صلّى اللّه عليه وسلّم وما منّ الله به على الأمم ، إذ خرج إلى حال الدنيا وصفتها وانقطاعها ، إذ خرج إلى الوعظ والتذكير ، وما من كلام من كلامه وإن كان بسيطا إلا وتخلص فيه مخالص كثيرة ، كل ذلك فيه دلالة على تفننه في الكلام وملكه لزمامه ، واستيلائه على خاصه وعامه . المثال الرابع ما ورد من كلام البلغاء فمن ذلك ما قاله ابن الأثير في كتاب كتبه إلى بعض إخوانه يذكر فيه الربيع فقال فيه : وكما أن هذه الأوصاف في شأنها بديعة فكذلك شأني في شوقه بديع ، غير أنه في حرة فصل مصيف ، وهذا فصل ربيع ، فأنا أملى أحاديثه العجيبة على النوى وقد عرفت حديث من قتله الشوق فلا أستقصى حديث من قتله الهوى . فبينا هو يذكر الربيع إذ خرج إلى ذكر الأشواق ، ومن هذا قوله أيضا يصف البرد لما كان في بلاد الروم فقال : ومما أشكوه من بردها أن الفرو لا يلبس بها إلا في شهر ناجر ، وهو قائم مقام الظل الذي يتبرد به من لفح الهواجر ، ولفرط شدته لم أجد ما يخففه فضلا عما يذهبه ، فإن النار المعدة له تطلب من الدفء أيضا ما أطلبه ، لكن وجدت نار أشواقى أشد حرا فاصطليت بجمرتها التي لا تذكى بزناد ، ولا تؤول إلى رماد ، ولا يدفع البرد الوارد على الجسد بأشد من حر الفؤاد غير